كرة القدم تُكمل عامها الثامن والثلاثين.. وما زال ميسي يراوغ الزمن

تابعنا عبر:
Twitter
Telegram

كرة القدم اختُرعت رسميًا في عام 1863 في المملكة المتحدة، لكن كثيرين يعتقدون أن ولادتها الحقيقية كانت قبل 38 عامًا فقط، وتحديدًا في 24 يونيو 1987، حين وضعت سيدة تُدعى “سيليا ماريا كوتشيتيني”، المقيمة في مقاطعة سانتا بمدينة روزاريو الأرجنتينية، مولودها الثالث الذي حمل اسم “ليونيل خورخي هوراسيو ميسي”. ومن هنا بدأت أعظم قصة في تاريخ اللعبة.

تُصادف اليوم الذكرى الـ38 لميلاد النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، لاعب إنتر ميامي الأمريكي، وأسطورة برشلونة السابق، والذي لديه تجربة أوروبية آخرى بقميص باريس سان جيرمان، إلى جانب مسيرة دولية حافلة مع منتخب الأرجنتين. وعلى مدار أكثر من عقدين، رسم “البرغوث” مسيرة كروية استثنائية، صنعت منه أحد أعظم من لمس الكرة على الإطلاق.

ليونيل ميسي - برشلونة
ليونيل ميسي – برشلونة

في عالمٍ يتبدّل كل لحظة، ونجومه يسطعون ثم يخفتون، ظلّ ليونيل ميسي استثناءً نادرًا؛ لا يخضع لقوانين الزمن، ولا يعترف بخريف العمر.

اليوم، يُكمل “البرغوث” عامه الـ38، لكن سحره ما زال حاضرًا في كل لمسة، في كل تمريرة، في كل هدفٍ يُشعل المدرجات.

في هذه المناسبة، لا نُراجع مسيرته كأرشيف، بل نستعرض فصولًا من قصة كروية لا مثيل لها…

من شوارع روزاريو إلى أمجاد كتالونيا، ومن حدائق الأمراء إلى شواطئ ميامي، من أحلام الصِّبا إلى مجد المونديال، ومن القميص رقم 30 إلى المجد الأبدي.

رحلة ميسي ليست مجرد أرقام أو ألقاب، بل حكاية عشق بين لاعب وكُرة، وبين جمهور وأُسطورة…

فإليكم أبرز محطات “من راوغ الزمن”.

1-البدايات: من شوارع روزاريو إلى أحلام الكرة

وُلد ليونيل ميسي يوم الأربعاء الموافق 24 يونيو 1987، ونشأ في حي متواضع بمدينة روزاريو الأرجنتينية، وسط عائلة من الطبقة المتوسطة. ومنذ صغره، ظهرت عليه ملامح موهبة استثنائية ابهرت العالم لاحقًا.

بدأ مسيرته الكروية في سن الخامسة مع نادي غراندولي المحلي تحت إشراف والده، قبل أن ينتقل إلى نيولز أولد بويز في سن السابعة، حيث لفت الأنظار بقدراته الفريدة.

ميسي وهو صغير
ميسي وهو صغير

ويعود الفضل في منحه أول فرصة حقيقية إلى جدته سيليا كوتشيتيني، التي أصرت على مشاركته رغم رفض المدرب بسبب صغر سنه. ومنذ وفاتها، اعتاد ميسي رفع يديه إلى السماء بعد كل هدف، تكريمًا لذكراها.

في سن 11 عامًا، تم تشخيصه بنقص في هرمون النمو، ما هدد مستقبله الكروي، خاصة مع عدم قدرة أسرته على تحمّل تكاليف العلاج. وبينما أغلقت الأندية الأرجنتينية أبوابها في وجهه، جاء الحل من بعيد، بعيد جدًا، عندما التقطته كشافات أكاديمية “لاماسيا” بنادي برشلونة الإسباني… ومن هنا بدأت الرحلة الكبرى.

2- الرحلة إلى أوروبا: عندما فتح برشلونة أبوابه

لم يكن الطريق إلى أوروبا مفروشًا بالورود، بل بدأ بتحدٍّ طبي هدد مسيرة ميسي قبل أن تبدأ، عندما سافر الصغير إلى إسبانيا رفقة والده في رحلة محفوفة بالآمال والمخاوف، سعيًا وراء فرصة قد تنقذ مستقبله الكروي.

وبين جدران أكاديمية “لاماسيا” الشهيرة، خضع ميسي للاختبارات التي سرعان ما حسمت الجدل: الطفل الأرجنتيني ليس مجرد موهبة، بل معجزة كروية تنتظر أن تخرج إلى العالم.

إدارة برشلونة لم تتردّد طويلًا، ووسط تردد من بعض المسؤولين، حسم المدير الفني كارليس ريكساتش الأمر ودوّن اتفاق ضم ميسي على “منديل ورقي”، في مشهد أصبح أيقونيًا، ليبدأ ميسي رحلته رسميًا داخل جدران النادي الكتالوني.

ومع مرور الوقت، لم يكن ميسي مجرد موهبة تنتظر أن تخرج للنور، بل عقل ناضج في جسد صغير، يفعل كل شيء وكأن لا أحد سواه في الملعب، لا يخشى شيئًا.. فقط يراوغ، يمرر، ويسجل وكأن اللعبة خُلقت له وحده.

ومع مرور السنوات، شق ميسي طريقه بثبات داخل فرق الناشئين، حتى جاءت اليوم الموعود، في 16 نوفمبر 2003، شارك لأول مرة مع الفريق الأول في مباراة ودية ضد بورتو البرتغالي.

أما ظهوره الرسمي، فجاء في 16 أكتوبر 2004 أمام إسبانيول بالدوري الإسباني، وكان عمره 17 عامًا و3 أشهر و22 يومًا.

وبعد أشهر فقط، وتحديدًا في 1 مايو 2005، سجّل هدفه الأول بقميص الفريق الأول أمام ألباسيتي، وكان يبلغ من العمر 17 عامًا و10 أشهر و7 أيام، بتمريرة ساحرة من الأسطورة الآخر رونالدينيو، لتولد آنذاك أسطورة استثنائية، لم يأتِ قبلها مثل، ولم يشهد بعدها خليف.

3- موسم من كوكب آخر: الأفضل في مسيرته

رغم أن كل موسم في مسيرة ليونيل ميسي كان مميزًا بطريقته، إلا أن موسم 2011-2012 يظل علامة فارقة في تاريخه، حيث قدّم البرغوث الأرجنتيني أداءً استثنائيًا، يُصنّف كالأفضل في مسيرته، بل وربما في تاريخ كرة القدم الحديثة.

سجّل 73 هدفًا ومرر 29 تمريرة حاسمة خلال 60 مباراة فقط، محققًا رقمًا قياسيًا لا يزال صامدًا حتى اليوم.

ميسي - جوارديولا
ميسي وجوارديولا

تحت قيادة بيب جوارديولا، أصبح ميسي قلب الفريق النابض، ومحور كل هجمة، وعبقريته تجلت في كل لمسة وتحرك.

ورغم أن لقب الدوري ذهب إلى ريال مدريد، إلا أن ما قدّمه ميسي فرديًا كان كافيًا ليتوّج بالحذاء الذهبي، ويؤكد أنه ليس مجرد لاعب، بل ظاهرة كروية لن تتكرر.

4- أفضل 5 لحظات في مسيرة ميسي

1. هدفه في نهائي دوري الأبطال ضد مانشستر يونايتد (2009)

سجّل ليونيل ميسي العديد من الأهداف عبر مسيرته، بلغ عددها حتى اليوم 867 هدفًا، لكن يبقى هدفه بالرأس في شباك مانشستر يونايتد بنهائي ويمبلي علامة فارقة في تاريخه. فقد اختاره “ليو” بنفسه قبل أشهر قليلة كأفضل هدف في مسيرته.

2. الفوز بكأس العالم 2022 مع الأرجنتين

في 18 ديسمبر 2022، على أرضية استاد لوسيل في قطر، وأمام أكثر من 88 ألف متفرج، وقف ميسي قائدًا للأرجنتين في نهائي تاريخي ضد فرنسا، في واحدة من أعظم المباريات في تاريخ كأس العالم.

بهدفين قاد ميسي الأرجنتين للقب طال انتظاره بعد غياب 36 عامًا، اللقب الذي استعصى عليه لسنوات، جاء أخيرًا في سن 35، ليُتوج ملكًا على عرش الكرة العالمية، ويرفع الكأس وسط دموع الجماهير وفرحة وطن بأكمله.

كانت تلك اللحظة هي الخاتمة المثالية لرحلة بدأت من روزاريو، وبلغت ذروتها في الدوحة،

3. الفوز بلقب كوبا أمريكا 2021 على أرض البرازيل 

بعد سنوات من المعاناة، والاتهامات بالتخاذل، كان يُنظر إلى ميسي في برشلونة كأسطورة لن تتكرر، بينما اعتبره كثيرون في الأرجنتين مجرد لاعب جيد لأنه لم يُتوّج بأي لقب مع المنتخب.

لكن جاءت اللحظة المنتظرة في نهائي الماراكانا، وكان بطلها دي ماريا، الذي سجّل الهدف الحاسم ومنح التانجو اللقب، ليُتوَّج ميسي أخيرًا بطلًا بقميص الأرجنتين.

4. تتويجه بالكرة الذهبية السابعة (2021)

جاء التتويج بعد موسم استثنائي، قاد فيه الأرجنتين لتحقيق لقب كوبا أمريكا، ليصبح أول لاعب في التاريخ يحصد الكرة الذهبية 7 مرات… رقم لا يُمس، بل أضاف كرة ثامنة بعد تتويجه مع التانجو بكأس العالم.

5. ظهوره الأول مع برشلونة (2004)

في 16 أكتوبر 2004، جاء الظهور الرسمي الأول لليونيل ميسي بقميص برشلونة، بعمر 17 عامًا و114 يومًا، خلال ديربي كتالونيا أمام إسبانيول على ملعب “لويس كومبانيس”.

دخل بديلًا لـ”ديكو”، بسبب غيابات ضربت الفريق الأول، فقرّر فرانك ريكارد منحه الفرصة بعد تألقه مع الناشئين.

5- أسوأ 5 لحظات في مسيرته

1. خسارة كأس العالم 2014 

كان ميسي على بُعد خطوة من تحقيق الحلم الأكبر، لكن هدف الألماني ماريو غوتزه في الوقت الإضافي حرمه من المجد. خسرت الأرجنتين النهائي أمام ألمانيا، ووقف ميسي على منصة التتويج ينظر للكأس بحزن، بعدما قدّم بطولة كبيرة تُوّج خلالها بجائزة أفضل لاعب.

2. الاعتزال الدولي 2016

ركلة ترجيح ضائعة، وخسارة نهائي جديد أمام تشيلي، دفعت ميسي للإعلان عن اعتزاله الدولي وسط صدمة العالم، لم يتحمل لحظة الفشل الرابعة في نهائي مع الأرجنتين، وانهار باكيًا قائلًا: “المنتخب ليس لي”، قبل أن يتراجع عن قراره لاحقًا ويعتلى منصات التتويج.

3. كابوس الانفيد 2019

بعد التقدّم بثلاثية في الذهاب، لم يكن أحد ليتخيّل ما حدث في الإياب. برشلونة سقط برباعية أمام ليفربول في واحدة من أسوأ لياليه الأوروبية، ليلة لا تزال كابوسًا في ذاكرة الجماهير الكتالونية. وقف ميسي ورفاقه عاجزين في ملعب أنفيلد، ليودّع الفريق دوري الأبطال بطريقة مذلة ومؤلمة.

4. الرحيل عن برشلونة 2021

في 5 أغسطس 2021، أعلن برشلونة رسميًا رحيل ميسي بسبب قيود الليجا المالية، رغم التوصل لاتفاق بين الطرفين. الخبر نزل كالصاعقة على الجماهير، وبدأ المشجعون في التجمّع أمام “كامب نو”، بعضهم رفع صوره، وآخرون بكى، والجميع هتفوا بنداء واحد: “لا ترحل يا ميسي”. ورغم هذه المشاهد، لم يكن هناك رجوع.

وفي 8 أغسطس، ظهر ميسي في مؤتمر صحفي وداعي مؤثر، أجهش فيه بالبكاء، وقال بصوت مكسور: “كنت أود الاستمرار هنا، ولكن لم يكن ذلك ممكنًا”.

5. صافرات جماهير باريس سان جيرمان عليه 2023

رغم أرقامه الجيدة وتتويجه بالدوري، لم يسلم ميسي من صافرات جماهير باريس سان جيرمان، التي هاجمته أكثر من مرة، معتبرةً أنه لم يقدم المنتظر. لحظات من الجفاء عاشها أفضل لاعب في العالم، جعلت رحيله وكأنه يبدو راحة.

6- أفضل 5 أهداف في مسيرته

1. هدفه ضد مانشستر يونايتد – نهائي دوري أبطال أوروبا 2009

2. هدفه ضد ريال بيتيس – الدوري الإسباني 2019

3. هدفه ضد أتلتيك بلباو – نهائي كأس ملك إسبانيا 2015

4. هدفه ضد بايرن ميونخ – نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2015

5. هدفه ضد خيتافي – نصف نهائي كأس ملك إسبانيا 2007

7- جوائزه الفردية

الجائزة عدد مرات الفوز الأعوام
الكرة الذهبية (Ballon d’Or) 8 2009، 2010، 2011، 2012، 2015، 2019، 2021، 2023
أفضل لاعب في العالم من الفيفا (The Best) 3  2019، 2022، 2023
الحذاء الذهبي الأوروبي 6 2010، 2012، 2013، 2017، 2018، 2019
أفضل لاعب في الليجا 9  2009، 2010، 2011، 2012، 2013، 2015، 2017، 2018، 2019
هداف الدوري الإسباني (بيتشيتشي) 8 2010، 2012، 2013، 2017، 2018، 2019، 2020، 2021
أفضل صانع أهداف في الليجا 3 2011 ، 2015، 2020
لاعب العام من IFFHS 5  2012، 2013، 2016، 2017، 2019
أفضل صانع ألعاب في العالم IFFHS 5  2015، 2016، 2017، 2019، 2022
الكرة الذهبية في كأس العالم 2 2014، 2022
أفضل لاعب في كوبا أمريكا 2 2015، 2021

8- جوائزه الجماعية

اللقب الفريق عدد مرات الفوز  الأعوام
الدوري الإسباني برشلونة 10  2004–05، 2005–06، 2008–09، 2009–10، 2010–11، 2012–13، 2014–15، 2015–16، 2017–18، 2018–19
كأس ملك إسبانيا برشلونة 7 2008–09، 2011–12، 2014–15، 2015–16، 2016–17، 2017–18، 2020–
كأس السوبر الإسباني برشلونة 8 2005، 2006، 2009، 2010، 2011، 2013، 2016، 2018
دوري أبطال أوروبا برشلونة 4  2005–06، 2008–09، 2010–11، 2014–15
السوبر الأوروبي برشلونة 3  2009، 2011، 2015
كأس العالم للأندية برشلونة 3 2009، 2011، 2015
الدوري الفرنسي باريس سان جيرمان 2 : 2021–22، 2022–23
كأس الأبطال الفرنسي باريس سان جيرمان 1 2022
درع المشجعين إنتر ميامي 1 2024
كأس الدوريات إنتر ميامي 1 2023
كوبا أمريكا الأرجنتين 2 2021، 2024
كأس العالم الأرجنتين 1 2022
كأس الأبطال كونميبول–يويفا الأرجنتين 1 2021

9- حياته الأسرية بعيدًا عن الأضواء

ميسي متزوج من أنتونيلا روكوزو صديقة طفولته، حيث نشأت قصة الحب بينهما في مدينة روزاريو الأرجنتينية، وكان قد تعرّف عليها من خلال صديقه المقرب وابن عمها، لوكاس سكاجليا.

ورغم انتقال ميسي إلى إسبانيا في سن صغير، ظلّت علاقتهما قائمة، ثم تطورت وأعلنا ارتباطهما بشكل رسمي في عام 2009. قبل أن تنتقل أنتونيلا إلى برشلونة لمتابعة حياتها مع ميسي.

ميسي - أنتونيلا
ميسي وزوجته أنتونيلا

رُزق ليونيل ميسي بطفله الأول تياجو في 2 نوفمبر 2012، وكان وقتها لا يزال في أوج تألقه مع برشلونة، لتبدأ رحلة الأبوة وبعد ثلاث سنوات، وتحديدًا في 11 سبتمبر 2015، أنجب طفله الثاني ماتيو.

وبعد سنوات من الارتباط، أقام ميسي وأنتونيلا زفافًا أسطوريًا في 30 يونيو 2017 بمدينة روزاريو، بحضور عدد كبير من نجوم كرة القدم وزملائه في برشلونة، في حفل وصفه الإعلام بـ”زفاف القرن”، كونه جمع بين قصة حب طويلة وجذور لا ينساها النجم الأرجنتيني.

وفي 10 مارس 2018، وُلد طفلهما الثالث سيرو، ليختتم بذلك ميسي رحلته مع الأبوة بثلاثة أبناء يشكلون عالمه الخاص، بعيدًا عن ضجيج الملاعب وعدسات الكاميرات.

ميسي وعائلته من احتفالات فوز الأرجنتين بكأس العالم

رغم مكانته العالمية، يفضل ميسي حياة عائلية بسيطة، يظهر مع أسرته في مناسبات قليلة، ويؤكد دائمًا أن عائلته هي الداعم الأول له. في أكثر من تصريح، قال: “الأبوة غيّرت نظرتي لكل شيء، الأولاد جعلوني أكثر هدوءًا ومسؤولية”.

كما يحرص على إبعاد أطفاله عن الإعلام بقدر الإمكان، مع مشاركتهم في لحظات فارقة في مسيرته، مثل احتفاله التاريخي بكأس العالم 2022، حيث ظهرت العائلة معه على أرضية الملعب بعد التتويج.

10-خاتمة.. زمن ميسي لم ينتهِ بعد

رغم أن ميسي أكمل اليوم عامه الـ38، إلا أن قدميه لا تزالان تروّضان الكرة وكأن الزمن لا يمسّه. يراوغ، يسجل، ويصنع البهجة في كل لمسة. صحيح هو صاحب المقولة الشهيرة: “الجسد لا يرحم”، لكنه خدعنا بها كما خدع المدافعين.. وما زال يفعل.