تحقيق | تسليع كرة القدم ورأي الجمهور
بطبيعة الحال لم تخلى كرة القدم منذ بداية ظهورها بالشكل الذي نعرفه من معاملتها بما يشبه “السوبر ماركت” فكانت مصدر للربح المالي وإن يكن بشكل لا يفسد أو يلوث طبيعتها، ولكن ذلك لم يستمر فتحت ضغط الرأسمالية اتجهت كرة القدم إلى التسليع.
كرة القدم في بدايتها البسيطة عندما كانت لاتزال بمعزل عن ذلك التسليع كان تمويلها يعتمد على الأفراد الذي ينتمون للنادي ذاته، أو على أموال ذات طبيعة تجارية لا تتداخل مع اللعبة ذاتها، بل وكان لاعبي النادي هم جزء من كينونته ولكن وجدت اللعبة نفسها مخنوقة بازدياد تسلط النظام الرأسمالي عليها، ليحولها إلى سلعة ترفيهية تدر الأرباح.
بدأ اقتحام الشركات الرياضة في أوروبا في مطلع القرن العشرين وكونت علاقات حميمة بينها وبين الأندية، التي بائت اليوم تعرف بـ”الأندية الكبيرة”. فقامت شركة مانشستر للخمور عام 1902 بشراء نادي “نيوتن هيث” المفلس، وإعادة تسميته “مانشستر يونايتد” ليصبح واجهة الشركة الإعلامية.
وأيضًا شركة شيستر للخمور، الممولة لنادي “مانشستر سيتي”، التي قامت بإلغاء قرار مجلس إدارة النادي بالانتقال إلى ملعب آخر، وذلك لكونه يضر بسمعة الشركة لدى زبائنها التقليديين. جرت حوادث مماثلة في بقية أنحاء أوروبا عند قيام الشركات بتمويل نوادي لكرة القدم.
وبذلك لم يعد للأندية التي لا تتبع متطلبات السوق القدرة على البقاء في المنافسة، واضطرت الأندية التي لم تجد لنفسها ممولاً كبيراً، أمثال أندية أعضاء الكنائس والنقابات العمالية، أن تتحول إلى مؤسسات منظمة سوقيًا، وأن تطلب التمويل من المصارف، وأن تسعى لتحقيق الأرباح عن طريق الإعلانات وغيرها، من أجل دفع ديونها، وأن تقوم بالمساهمة في الأعمال المحلية، كي يكون لديها القدرة على البقاء والمنافسة.
لم تزدهر كرة القدم بالطريقة التي نعرفها اليوم، كما غيرها من اللعب ذات الشعبية، لكونها “لعبة الجماهير”، بل لكونها استطاعت خلق بنية أعمال مستدامة، يمكنها أن تتوسع في السوق الجماهيري الجديد في نهاية القرن التاسع عشر.
ومع استمرار التوسع المدني زاد التوسع في تسليع الرياضات أكثر فأكثر حتى صارت المؤسسة الرياضية موحلة في الرأسمالية وبحاجة لزيادة القدرة على الاستهلاك وزيادة الطلب على التسلية.
بالطبع ليس الأمر قاتما لهذه الدرجة، فكان عشاق اللعبة وبعض الرياضيون يناضلوا لتغيير شيء ما في هذا المشهد الدرامي، فلاعبة التنس بيلي جين كينج، التي طالبت بالتنظيم النقابي بدلاً من سيطرة الشركات، ولاعب البيسبول كورت فلود، الذي رفض الهيمنة التجارية وقام بمقاضاة اتحاد الكرة، ولن تكون النهاية عند بيوجين ليا الذي أسس منظمة لاعبي كرة القدم الوطنية المناهضة للسيطرة الرأسمالية على اللعبة.
وكان للجماهير أيضا محاولات أمام ذلك الوضع مثل ما حدث في ويمبلدون عام 2002 عقب قرر مالكي النادي بنقل مقرهم من جنوب لندن حيث كانوا منذ عام 1889 إلي مدينة جديدة تدعى ميلتون كينز والتي تبعد 90 كيلو مترا عن مقرهم القديم، مما أدى إلى إنشقاق كبير ومعارضة من داعمي النادي مما حذا بهم لإنشاء نادي جديد باسم AFC Wimbledon، وكان الحفاظ على الماضي المجيد للنادي هو القوة الدافعة الرئيسية لإنشاء نادي منفصل جديد.
ونتج عن التسليع ظهور ثقافة الـagainst modern football، فلقد سئم العديد من المشجعين في جميع أنحاء العالم من الاتجاه الذي يبدو أن الرياضة التي يحبونها تتخذه وتنسحب إليه
فقد أصبحت كرة القدم عمل مربح للغاية بدل كونها لعبة الجماهير، حيث تستفيد أكبر الأندية في العالم من عدد كبير من الشراكات المربحة.
وفي الوقت الراهن تجلى ذلك بعد فاجعة دور السوبر الأوروبي، حيث لا وجود سوى للفرق التي تزخر بأكثر الأموال بين أندية كرة القدم، وكانت الحجة هي أن الأندية الكبيرة تتدهور اقتصاديا، وبذلك أصبح واضحا أن الأهمية للمال وليس اللعبة.
فلما كان ذلك اهتاج جماهير كرة القدم كما استشاط العديد من اللاعبين والمدربين غضبا، بل واضطرت الشرطة أن تتدخل في إنجلترا لمنع الاحتجاجات خارج الملاعب، حتى هدأ الوضع وعاد معظم ملاك النوادي المشاركين في السوبر ليج إلى رشدهم.
وبسؤالنا لأحد أعضاء جروبات الأولتراس في الوطن العرب -لم يرغب في ذكر أسمه او المجموعة التي ينتمي إليها- عن رأيه في عملية التسليع، ومدى تأثيرها على متعة ونقاء اللعبة أجاب بالتالي:
كيف أثر المال على متعة ونقاء اللعبة؟
ابتعدت بعض الأندية الكبيرة عن منصات التتويج الأوروبية مثل أياكس أمستردام كما أصبحت الدوريات أقرب إلي القطب الواحد ولم نعد نشاهد مفاجأة كبيرة في الدوريات الأوروبية أو المحلية بل أصبحت بعض الدوريات محسومة قبل بدايتها ومعروف من بطلها مثل الدوري الألماني.
هل هناك طريقة لتستعيد كرة القدم جماليتها بعيدا عن التسليع وهيمنة رأس المال عليها؟
في الحقيقة أصبح الأمر صعب للغاية خاصة مع تحكم رأس المال والشركات في اللعبة بشكل شبه كامل، لكن يكفي عودة الجمهور للمدرجات من أجل الشعور بأن اللعبة ملك لأصحابها.
في رأيك ما هي أنسب الطرق لضمان ابتعاد رجال المال عن الإضرار باللعبة؟
ليس هناك طريقة مضمونة لذلك، أصبحت اللعبة جزء لا يتجزأ من المراهنات.
ما هي أسباب رفض الجماهير لفكرة السوبر ليج؟
بشكل قاطع ستجعل الكرة مقتصرة على هذه البطولة الوحيدة وستسترق ما تبقى من التنافس بين الأندية وستصبح الكرة والمال شيء واحد.
بعد ذلك يبدو جليا أن كرة القدم تحتضر تحت المطامع المالية وتحويل أكبر أنديتها لمصدر للربح وليس لإمتاع المشاهدين بلعبة تستحق المشاهدة، ويبقى السؤال مطروحا هل تستطيع كرة القدم النجاة من ذلك؟
لقراءة الجزء الأول من التحقيق من هنا



