تأثير المهاجرين على هوية المنتخبات الوطنية في كأس العالم

مع اقتراب موعد كأس العالم القادمة، يتجاوز النقاش حدود الساحة الرياضية ليشمل مسائل أعمق تتعلق بهوية المنتخبات الوطنية في زمن العولمة والهجرة، وقد بات واضحاً أن القوائم المشاركة تشهد انضمام عدد متزايد من اللاعبين الذين يمثلون دولاً لم يُولدوا فيها، لكنهم يرتبطون بها عبر جذور عائلية أو جنسية أو ذاكرة جماعية، مما يعكس اختلافاً في مفهوم الهوية الرياضية.
فقد أصبح المنتخب الوطني، الذي يعد تعبيراً واضحاً عن هوية الأمة، بمرور الوقت مرآة لتغيرات ديموغرافية كبيرة تتراوح بين الهجرة والاستعمار التاريخي، إذ شهدنا لاعبين وُلِدوا في بلدٍ وتدرجوا في الأكاديميات الرياضية في بلدان أخرى، لكنهم اختاروا في النهاية تمثيل هويتهم العائلية أو ذاكرة الأجداد.
تأثير اللاعبين المجنسين على تشكيل الفرق
أثار المنتخب المغربي، بعد وصوله إلى نصف نهائي كأس العالم في قطر، جدلاً واسعاً ليس بسبب كسر الحواجز في الإنجازات الأفريقية والعربية فقط، بل لأن أكثر من نصف اللاعبين في قائمته وُلِدوا خارج المغرب، وهؤلاء لا يُعدّون غرباء، بل أبناء جاليات مغربية نشأت في أوروبا نتيجة لعقود من الهجرة إلى بلدان كفرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا.
في مونديال 2026، يتوقع أن تزداد هذه الظاهرة وضوحاً، حيث يساهم دخول 48 منتخباً في زيادة عدد اللاعبين المولودين خارج بلدانهم الأصلية، وفي بعض المنتخبات، يسيطر اللاعبون المهاجرون على التشكيلة كما هو الحال في كوراساو، حيث وُلِد أغلب اللاعبين خارج الجزيرة، لا سيما في هولندا، وحيث أصبحت العلاقة مع الجاليات الأوروبية جزءاً مهماً من استراتيجيات بناء الفرق الوطنية.
دراسات حول تأثير المهاجرين على الأداء الرياضي
هل يُسهم اللاعبون المولودون في الخارج في تعزيز فرص الفوز للمنتخبات؟ الدراسات المتاحة لا تدعي بأن الهجرة هي العامل الوحيد لصنع البطولات، لكنها تشير إلى وجود علاقة إيجابية بين التنوع في الخلفيات والتحسن في الأداء العام للفرق.
فإحدى الدراسات التي تناولت بطولات كأس العالم بين عامي 1970 و2018 وجدت أن تلك الفرق التي تضم عدداً أكبر من اللاعبين المولودين خارج البلد غالباً ما تتقدم بشكل أفضل في المنافسات، حيث يشير التحليل إلى أن كل لاعب إضافي مولود في الخارج يرتبط بزيادة طفيفة في عدد المباريات التي يخوضها المنتخب، ما يعني أن تنوع الاختيارات يُثري من خيارات المدربين في تشكيل الفرق.
العودة إلى الجذور: اللاعبين المولودين خارج البلد
في سياق ذي دلالة، يشمل الحديث ليس فقط تجنيس اللاعبين، بل أيضاً أولئك الذين ينتمون لأصول عائلية وُلدوا خارج أوطانهم، إذ لا يستبدلون المنتخب كما يفعل اللاعب عند الانتقال إلى نادٍ جديد، بل يعود الكثير منهم إلى البلد الذي ينتمي إليه آباؤهم وأجدادهم، كما هو الأمر بالنسبة للمغرب الذي شهد ارتفاع عدد لاعبيه المولودين في الخارج من 14 لاعباً في مونديال 2022 إلى 19 لاعباً في قائمة 2026، مما يعكس النجاح في جذب أبناء الجالية قبل أن تتمكن منتخبات بلدان الولادة من استقطابهم.
يمكن أن تكون فرنسا مثالاً موازياً، حيث ضم منتخبها بطل كأس العالم 2018 عدداً كبيراً من لاعبي الجاليات الأفريقية، مما يعكس تاريخاً استعمارياً قديمًا، كما تأثرت سويسرا أيضاً بأبناء المهاجرين من دول يوجوسلافيا السابقة، بينما نجد أن إنجلترا تضم لاعبين ذوي أصول كاريبية وأفريقية، في الوقت الذي يتم فيه تمثيل لاعبين وُلِدوا فيها لمنتخبات أخرى، مما يعكس التحولات الجذرية في مفهوم كرة القدم الوطنية.
وبذلك، لم يعد موضوع كرة القدم الوطنية مجرد سؤال حول مكان الولادة، بل أصبح يرتبط بالذاكرة الجماعية والفرص والانتماء، وفي عالم يتزايد فيه تنقل البشر، يظهر بشكل جلي أن المنتخبات الحديثة تمثل تنوع المجتمعات، لتكون أوطاناً متعددة تحت قميص واحد، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الرياضية في العصر الراهن.


